![]()
الحصن الخامس: الدعوة
في جلسة أخوية بين بعض الآباء، فُتِح حوار حول عظم مسؤولية التربية وكيفية التحصن والتحصين لأبنائهم من السوء، سواء كان مرئياً أو مسموعاً أو أصدقاء، فإليك أخي القارئ مشاهد الحوار:
- المشهد الأول: المدينة أم القرية!
يجلس أبو سالم وعن يمينه أبو علي ثم يتلوه أبو محمد وعن يسار أبي سالم أبو عبدالله
يبدأ الحديث أبوسالم قائلاً: ما أكبر ما نواجهه من مسئولية التربية، فالتربية صعبة في عصرنا، ليست كالأيام الماضية حين كنا في القرية، فلم نكن نشكل لآبائنا كبير عبء.
أبو علي: صدقت يا أبا سالم فكل كبار القرية كانوا لنا آباء، فلا يجُرؤ أحدنا أن يحيد، فأين ينأى عنهم؟ فمن يراه سيُقّومه ويؤدبه كأنه أبوه.
أبو سالم: بل سيشكره أبوه، أما الآن فبعض الآباء هو أول من يدافع عن سلوكيات أبنائه الخاطئة.
أبو محمد: نعم، وكنا نلعب مع أبناء القرية فهذا قريب و هذا من القبيلة وهذا معروف أهله فكان آباؤنا مطمئنين علينا، أين نذهب؟ ومن نصاحب؟
أبو عبدالله: أضف إلى ذلك، أن الحياة في القرية تنعدم فيها سن المراهقة.
أبو محمد: تنعدم سن المراهقة، كيف؟
أبو عبدالله: ما إن يبلغ الشاب ويتعلم كيف يعمل؟ حتى يحذو حذو أبيه فيتقن صنعته، فيغدو مؤهلا لأن يكون رب أسرة فيتزوج ويسكن عند أهله وتنتهي مرحلة المراهقة التي ربما لم تتجاوز عمرها عدد أصابع اليد الواحدة.
يبتسم أبو سالم ويقول ضاحكا: والآن ربما يتخرج من الجامعة ومازال يرتع في مرحلة المراهقة.
يضحك الجميع!!!
يؤيده أبو عبدالله: نعم، نعم
يواصل أبو سالم حديثه: والآن آه من الآن، أصبحت الخطورة على الأبناء كبيرة، فأنت تخشى من أبناء جارك، الذي ربما لا تعرفه إلا لماماً، فلا هو يزورك ولا أنت متفرغ للقائه.
يسارع أبو علي بقوله: ليس الجار والشارع فقط يا أبا سالم بل حتى المدرسة لها دور، فأنت تعلِّم ابنك سبع سنين على القول والخلق الحسن، وما إن يلج المدرسة حتى يتلفظ بألفاظ مشينة أو يقترف أفعالاً تستغرب من أين أتى بها؟ ثم تكتشف بأن صديقه في المدرسة هو من علّمه تلك السلوكيات السيئة!
أبو عبدالله: بل يا إخوتي ليس صديق المدرسة فقط، فالأقارب الآن تجد عند بعضهم ما لا ترغب في أن يتعلمه أبناؤك.
أبو محمد: كل ما قلتموه يصغر أمام خطر الأجهزة الإلكترونية الحديثة!! ففيها من المفاسد والسوء ما الله به عليم! فهذه ألعاب بها صور نساء لم تستر عوراتهن , أو برامج تحمل معتقدات وشعارات يهودية أو نصرانية أو وثنية بحسب مصنعها، وأخرى تهين بعض مقدسات المسلمين، ولا تنس ما يصاحبها من معازف وموسيقى محرمة.
أبو سالم: صدقت يا أبا محمد ولعل خطورتها تتضاعف عبر التواصل و الصداقات والمجموعات فبجهازه يكوّن له أصدقاء في الشرق والغرب، فلم يعد الخوف على الأبناء خارج البيت بل تجاوز الأمر ذلك حتى ولج داخل ديارنا.
يدخل عليهم أبو صالح ويفاجئ الجميع بصوت عالٍ: يا جماعة لا تكبروا الموضوع أكثر من اللازم!!!
- المشهد الثاني: لسنا شمساً مشرقة.
علامات الدهشة على وجوه الجميع!!!
يسارع أبو علي: أولا، قل السلام عليكم ثم ادخل في الموضوع.
يبسم ابتسامة مشوبة بالحرج ويقول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
يرد الجميع: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
يصافح الجميع ثم يجلس بجوار أبي عبدالله
يزيد أبوسالم: أهلا وسهلا بأبي صالح
أبو محمد مبتسما: هل كنت تتجسس علينا؟
أبو صالح: ما شاء الله لا قوة إلا بالله، أصواتكم تصل إلى خارج المكان!
يضحك الجميع!
يتابع أبو صالح: ما إن يسكت الأول حتى يثب الثاني بإضافة على كلامه، فيبدو أن الموضوع أخذ طابع الحماس فالكل مهتم.
يتبسم الجميع و ينظر بعضهم إلى بعض.
أبو علي: ما هذا الهجوم المباغت؟
أبو محمد: هل ترى في كلامنا خطأ؟
أبو صالح: كلامكم جيد وقد أعطيتم جانب الخطورة حقه فالكل أسهم بما لديه حتى أصبح الطرح متكاملاً.
أبوسالم: أنت لم تستمع لطرف الكلام فقط، بل استمعت لمعظم حوارنا.!!!
أبو صالح: نعم، شدني حواركم وتفاعلكم، فأطرقت أفكر فيما تتحدثون فيه
أبوسالم: وهل لديك، من إضافة؟
أبو صالح: لمَ لا نفكر في الجانب الآخر؟
أبو عبدالله: أي جانب؟
أبو صالح: أنتم نكأتم الجرح وأظهرتم الألم، فما الحل؟
أبو سالم: صدقت.
أبو صالح: كما تتحاورون مع بعضكم، لمَ لا نتحاور مع أبنائنا؟ فالحوار عامل مهم في تهذيب السلوكيات، وتقبل المحاورين لبعضهم خصوصا إذا ابتعد عن التوجيه المباشر , وفرض الأوامر.
أبو محمد: بمعنى أن تكون صديقه، يفضي إليك بما يدور في خلده وتناقشه في ذلك نقاشاً ودياً، بعيداً عن أسلوب افعل ولا تفعل، أليس كذلك يا أبا صالح؟
أبو صالح: بلى
أبو علي: لا يزال الخطر قائماً، فأصدقاء الشارع و المدرسة وأيضا الأجهزة الإلكترونية، وكل ما ذكرناه يزداد خطورة يوماً بعد يوم.
أبو صالح: نعم، نحن الآن في عصر تضُعف سيطرة المربي على من تحت يده، لذا يتوجب علينا أن نبذل التفكير في إيجاد الحلول.
أبوسالم: أحسنت، أرى من الحلول، بناء الوازع الديني والخوف من عقاب الله عز وجل، فنربط الفعل بما يترتب عليه عند الله عز وجل.
أبو محمد: ليس هذا فقط يا أبا سالم بل لا بد أن نحبب لهم الطاعة ونحبب إليهم حسن الخلق، فكما أن هناك جانب التخويف والترهيب فهناك أيضا جانب التشويق والترغيب.
أبو عبدالله: نعم أحسنت فالمؤمن كالطائر له رأس وأجنحة، فجناح الخوف، كما قال تعالى: ( قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ )15 ( لهُم مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِّنَ النَّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ (16)سورة الزمر
وجناح الرجاء يتمثل في قوله تعالى: ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أُوْلَـئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللّهِ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (218)سورة البقرة
فعندما نربي أنفسنا أولاً وأبناءنا ثانياً، لابد أن نوازن بين الخوف والرجاء في نفوسهم.
أبو محمد: كيف؟
أبو عبدالله: بنهج الشرع في الترغيب والترهيب، ولا مانع من المكافأة مع تذكيره بأن ما يفعله لله وما يتركه لله وأن الله سيجازيه.
أبوعلي: نعم أحسنت، فإن فعله للواجب أو تركه للمحرم هو ابتغاء مرضاة الله وطمعاً في ثوابه وخوفاً من عقابه.
أبو صالح: أحسنت وبهذا نرفع جانب الوازع الديني والمراقبة لله، فنحن لسنا شمساً مشرقة عليهم ترصد كل حركاتهم وتعرف كل اتجاهاتهم،
أبو عبدالله: صدقت، بقي رأس الطائر ” المحبة “، فإننا إذا ارتبطنا بالله عز وجل, وربطنا من تحت أيدينا بالله وشعرنا بأن ما نفعله من طاعة وما ننتهي عنه من معصية هو لله، وأن الله لم يشرعه لنا فعلا أو تركا إلا لأنه يحبنا!!! لذا شَرَعَ لنا ما يصلحنا في حياتنا الدنيا ثم يجعل جزاء من اتبع شرعه في الآخرة الجنة، فتنمو وتعظم محبة الله عز وجل في نفوسنا أولا ثم في نفوسهم ثانياً.
أبو حمزة: السلام عليكم
الجميع: وعليكم السلام
يصافح الجميع ويفسح أبو محمد له في المكان قائلا: تعال إلي هنا فهذا مكانك.
أبوحمزة: لا، وجزاك الله خيرا سأجلس هنا
يشير إلى حيث انتهى به المجلس، يتحرك أبو محمد ممسكا بيده ويشده قائلاً:
عزمت عليك إلا جلست بجانبي.
يومئ بالموافقة ويتبعه مبتسماً.
- المشهد الثالث: الحصن…
أبو حمزة بعد أن جلس: كيف حالكم.
أبو سالم: الحمد لله بخير، و أنت
أبو حمزة: في أتم الصحة والعافية ولله الحمد والشكر، لا أريد أن أقطع حديثكم، فواضح على الوجوه التفاعل، فهلا أشركتموني معكم.
أبو سالم: ليس ما نتحدث سراً لا نبوح به، إنما هو حوار يهّمنا جميعا، فظهرت علاماته في وجوهنا لاهتمامنا به.
أبو حمزة: هل يمكنني أن أعرف الخلاصة؟، إن أردتم ذلك، أم قد ضاق الوقت عليكم وتريدون الانصراف؟ و أعتذر على تأخري، فقد كلمتني أمي فذهبت لقضاء حاجتها.
أبو محمد: زادك الله تعالى براً بأمك.
أبوحمزة: جزاك الله خيراً.
أبو عبدالله: أُلخص لك ما مضى بدأنا بذكر بعض صور تربية القرية، وكيف كانت سيطرة الآباء في التوجيه وأيضا انخفاض المخاطر التي كانت بها.
ثم انتقلنا إلى المدينة الأكثر حضارة والتي كثرت بها المخاطر وضعفت سيطرة الأب على أبنائه.
أبو حمزة: وما هي المخاطر؟
أبو علي: جيران السوء والشارع ورفيق المدرسة وما تحتويه الأجهزة والألعاب الإلكترونية.
أبو صالح مداعبًا لهم: إلى أن أتيتُ أنا وأنقذتهم من توارد أفكار المخاطر التي تحبط!
يضحك الجميع،
أبو سالم يداعب أبا صالح: من الآن سنسميك المنقذ.
يضحك الجميع:
أبو حمزة: بماذا أنقذتهم أيها المنقذ؟
أبو صالح: وجهت الحديث لجانب الحلول.
أبو سالم: جزاه الله خيراً، فبعدها تواترت الحلول من الإخوة.
أبو محمد: حتى لا نطيل كانت الحلول المطروحة، الحوار مع الأبناء، و تحبيبهم بالله وتخويفهم منه إن عصوه، وأيضا ترغيبهم لما ينالهم من جزاء الطاعة.
أبو حمزة: هذا الطرح جميل جداً، ولقد فاتني الكثير والمفيد، فهل لي أن أسهم في الحل
أبو سالم: تفضل!
أبو حمزة: أحيانا، نتقمص دور الحارس الخائف من الاجتياح!
أبو محمد: اجتياح!! أنحن في حرب؟
أبو حمزة: نعم في حرب مع الشيطان وجنده من رفقاء السوء وكل ما ذكرتموه،
أبو علي: بدل أن تقول لنا دافعوا وحصنوا أبناءكم تنكر علينا دور الحراس.
أبو عبدالله مستنكراً: لا!! أحسن ننام ونتركهم يلهون ويعبثون وينحرفون ويصاحبون الأشرار، ونحن لا نحرك ساكناً.
أبو حمزة مبتسماً: لا هذا، ولا ذاك.
أبو سالم بسخرية: إذن أفدنا يا حضرة المعلم.
أبو حمزة ضاحكا: اصبروا عليّ، أيش هذا الهجوم كله!!
أبو محمد: تكلم.
ينصت الجميع ويغيّر أبو حمزة جلسته ويقول: لعلكم تسلمون أننا مهما بذلنا من المراقبة لن نستطيع أن نلم بجميع نواحي حياة أبنائنا فنعرف كل ما يفعلون ومن يجالسون؟ وماذا يقال لهم؟
أبو محمد: نعم،
أبو حمزة: و لم تعد القرية التي تتغنون بها مثل ما كانت فقد أصابها ما أصاب المدينة، كما أننا لن نجعل أبناءنا كائنات منقرضة وضعت في محمية، لا يعرفون واقعهم ولا يسايرون مجتمعهم، وهم إن كانوا صغارا ويطيعوننا كثيرا فغدا يكبرون وقد يتمرد بعضهم على أبيه، لمتعتهم التي يجدونها عند أصحابهم وفي أجهزتهم التي مهما منعتها فلابد من الخضوع لجذبها.
أبو عبدالله: طيب.
أبو حمزة: اهدأ يا أبا عبدالله حتى تفهم ما أمهد له، فمع كل هذا، فلا أدعو أبداً للانفتاح المفرط وإهمال الأبناء وتركهم يعبثون ويلهون بلا حسيب ولا رقيب، بل لابد من المراقبة البعيدة عن التجسس و الشك السيء، والمراقبة التي أعنيها هي مراقبة الله وزرعها في نفوس أبنائنا.
أبوعلي: وكيف نزرعها فيهم؟
أبو صالح: قد ذكرناها يا أبا علي غفر الله لك، نزرعها بربط أعمالهم الحسنة بما يناله في الآخرة ومدحهم على أدائهم الحسن ونكافئهم عليها، ونقوي محبة الله في قلوبهم وذلك بإخبارهم بأن عملهم هذا يحبه الله عز وجل، وأيضا نربط أعمالهم السيئة بما ينتظرهم من العقوبة الإلهية إن لم يرجعوا لله بالتوبة، ولا نجعل خوفه منا أعظم من خوفه من الله سبحانه، فإنه إن خاف منا أخفى ما لا نريد أن نراه فيه، وإن خاف من الله عز وجل فأين يخفي عمله؟ فلا يستطيع إلا أن يتوب ويرجع إليه سبحانه وتعالى.
أبو محمد: جميل جداً
أبو حمزة: ثم بعد ذلك، لا بد لنا أن نغيّر طريقة تفكيرنا وأسلوب تعاملنا.
أبو عبدالله: كيف؟
أبو حمزة: بدل أن نتقمص دور الحارس الذي جعل جُلَّ فكره في حماية الحدود من الاختراق والدفاع عن المكتسبات، فيرضى بما لديه من مكاسب ولا يفكر أبداً في اقتحام أرض خصمه.
أبو سالم: عدنا للحارس.
أبو عبدالله: وأنا عند سؤالي، فمازلت أقول كيف؟
أبو حمزة: لا تتعجلوا، فسأوضح لكم الآن،
أبو سالم: هات ما عندك
أبو حمزة مبتسماً: يبدو أن كلامي أغضبكم!
أبو محمد: لا يا أبا حمزة بل فاجأتنا به، فنحن نريد أن نعرف ما عندك؟
أبو حمزة: ما عندي يسير على من يسّره الله عليه، أقول بدلاً من ذلك كله، لِمَ لا نعكس التفكير وننظر للأمور بمنظارين.
أبو علي: الأول
أبو حمزة: من اعتبرناهم أعداء أو أصدقاء سوء، فنخاف من شرهم، لمَ لا نعتبرهم ضعفاء ومحتاجين لمن يدعوهم ويبين لهم طريقهم فقد ضلوا الطريق، فننشط في دعوتهم.
أبو سالم: وإذا فكرنا بهذا التفكير، ماذا سنفعل؟
أبو حمزة: جيد هذا التفكير، فهو يمهّد للمنظار الثاني.
أبوعلي: هات الثاني
أبو حمزة مبتسما: نعلّم أبناءنا كيف يدعون؟
أبو محمد مع أبي علي وأبي عبدالله بصوت واحد: كيف يدعون؟!!
أبو حمزة: نعم كيف يدعون؟ إن ما عندنا من قيم وتربية صالحة وما أودعناه فيهم من تعليم ناجح لم لا يقومون بتبليغه؟
أبو علي: تبليغه!!! كيف؟
أبو حمزة: قلت كيف؟ من يراه على خطأ ينصحه؟ فإن نصيحة الأقران مقبولة أكثر من توجيه الكبار ونصحهم، والصغار يستطيعون بأسلوبهم البسيط أن يتناصحوا مع بعضهم، فيقول لصاحبه: لا هذا حرام لا يحبه الله، وهكذا الشاب يستطيع أن يناقش ويقنع أقرانه إذا كان مقتنعاً بما عنده من قيَم سامية صالحة.
أبو محمد: أحسنت وبهذا يكسب أجر من دعاه بتوجيهه، فيكون له الدلالة على الخير وسن سنة حسنة في أصحابه.
أبو حمزة رافعا صوته: نعم
أبو سالم: كأنك الآن تبني حصناً منيعاً لهم يمنعهم من الهجمات المضادة.
أبو حمزة باستغراب: حصن، كيف؟
أبو سالم: أنت تلغي مفهوم الحذر الزائد والهروب من العدو لتستبدله بمهاجمته ودعوته أليس كذلك؟
أبو حمزة: نعم.
أبو سالم: فأنت بأسلوب غير مباشر تلغي منه التفكير فيما لدى الصاحب السيء من متعة، فهو الآن لا يفكر في استحسان ما لدى الضد، بل هو راحم له، يرأف بحاله، فيخبره بأن ما عنده هو أفضل مما عند الآخر، وبهذا تبني حصناً لابنك، فلا ينحصر فكره فيما عند الآخرين من متع ولهو! بل يرتقي ويسمو ليفكر كيف يخلّصهم منها؟
أبو حمزة: رائع، يا أبا سالم، لقد تجاوز الشاب الآن مرحلة التفكير السلبي، فهو ينفذ و يعمل ويدعو.
أبو عبدالله: وهذا هو حال الصحابة والتابعين، فقد وقفت رحالهم عند آخر بقعة وصلت لها جيوش المسلمين، فانشغلوا في بناء حصن الدعوة التي حصنوا أنفسهم بها ومنها أطلقوها دعوة خالصة صادقة ترجو ما عند الله وترحم الخلق، فهرع إليها كل من سمعها عن رغبة ومحبة لا عن إجبار و صلف.
أبو عبدالله: نعم الصحابي عمرو بن العاص رضي الله عنه جاهد وعلّم و مات في مصر ولم يجلس في الجزيرة العربية.
أبو علي ومثله أبو الدرداء وبلال بن رباح في دمشق، وخالد بن الوليد في حمص رضي الله عنهم
أبو صالح: بل وصل إلى بلاد المغرب ما يزيد على ثلاثين صحابياً[1]
أبو محمد: لا يقف الأمر على الأبناء فقط،
أبو علي: إذن تريدنا أن نعلّم من؟ أنعلم أبناء الجيران؟
أبو محمد: إذا استطعنا فنعم، يا أبا علي أريد أن نعلّم أنفسنا!
أبو عبدالله: صحيح أنفسنا ثم يخفض رأسه و يطرق نظره في الأرض وتخرج منه زفرة ثم يردف قائلاً: إذا لم ندعُ ونبلغ ما تعلمناه! فكيف نوجه أبناءنا لذلك؟
أبو حمزة: نعم، فاقد الشيء لا يعطيه.
أبو محمد: وبهذا نصبح قدوةً لهم وأنموذجاً لتوجيههم.
أبوعلي: أستغرب أحيانا من بعض تصرفاتنا، فقد نسير في الطريق ونجد من يجاهر بمنكره ولا نواجهه فضلاً عن أن نوجهه، وأحيانا نجلس في المجالس التي تمتلئ بالحوارات السيئة دون أن نتدخل في بيان سوئها، ونحضر التجمعات وفيها بعض المنكر فلا ننكر.
أبو محمد: إذا صعُب عليك التغيير، فلماذا تحضر تلك التجمعات؟
أبو علي: وأشنع منه أن تصبح ممن يعين عليه.
أبو سالم: يعين عليه!
أبو علي: نعم يعين، لأنك بحضورك وعدم توجيهك، ولأن عليك سمات الخير والصلاح، يجعل الناس ذلك مبرراً لهم، ويهون عليهم ما هم فيه ويخفف تأنيب الضمير، فيقولون: فلان صاحب العلم والمعرفة حضر.
أبو عبدالله: ما تقولونه جميل فهل ندعو وعندنا ضعف في العلم؟
أبو صالح: يقول صلى الله عليه وسلم: ( بلغوا عني ولو آية ) فنحن نبلغ ما عندنا من علم.
أبو محمد: ذكرتني بحوار لطيف في كتاب “محطات في رحلة البرازيل” حول تبليغ العلم كان ذلك في محطة ” التربية صعبة “.
أبو عبدالله: أجل أهل البرازيل يعانون مما نعانيه.
أبو صالح: بل أشد! فهم في مجتمع اختلط فيه المسلم مع غيره، فكانت المعاناة أكبر
أبو سالم: عن إذنكم فقد طالت الجلسة، ولابد أن أذهب.
أبو عبدالله: كلنّا نريد الذهاب
أبو محمد: سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.
أبو علي: لا تنسوا حصن الدعوة
يبتسم الجميع وقد هموا بالقيام من المجلس
و يبقى سؤالٌ يتردد “””لماذا لا نربي أبناءنا على الدعوة؟”””
[1] متلقى أهل الحديث