Loading

من لم يدمن الحسن … سيدمن القبيح

من لم يدمن الحلال … سيدمن الحرام

التكرار سنة كونية، فتكوين العادات يحدث بالتكرار سواءاً أراد المرء أم لم يرد، ثم تنتقل العادات إلى الإدمان، فيصبح قيداً يستحكم ويضيق حتى يختنق صاحبه، ويضيق أكثر ويشتد فيقتاد أسيره إلى اضطرابات نفسية وجسدية، تحول حياته لجحيم مستعر يحرق جسده.

فانظر لمدمن المخدرات إلى أين يصل به الحال؟!

وانظر لمدمن الشهوات إلى أي هاوية وصل!!!

وانظر لمدمن الجوال، كيف ينقاد وبلا وعي لمسك جواله أول ما تتفتح عياناه ويستيقظ من نومه، ثم يبقى أسير جواله، فيستغل كل لحظة للنظر لمحبوبه والاستماع لمعشوقه،

فيقلب المقاطع السريعة، بتقليبها تتمزق نفسه وشعوره، فمن موعظة مؤثرة إلى مشهد مضحك، ومن طبيعية خلابة إلى مقطع شهواني ومن معلومة حياتية إلى صورة محزنة، ثم إلى إلحاد، ثم إلى تلاوة عذبة ثم إلى فرح ثم إلى شبة ثم إلى عنف ثم إلى قيمة أخلاقية ثم إلى انحطاط انساني ثم إلى حيوانات ثم إلى سماء وسحب وثم …ثم

تقلبات شعورية سريعة بين حزن إلى اثارة إلى ندم وذنب إلى خشوع ثم إلى ضحك

عبث شعوري رهيب يمزق الأحاسيس ويذهب لذتها، ويطفأ أثرها.

فلا الخشوع خشوعا ولا الندم ندما ولا الحياة حياة.

تقلبات تعبث بالوقت فتنهيه، حتى كلما استيقظ ضميره وحرضه على ضرورة حياتية أو نسك عبادي واجب، أو مهمة لابد من تنفيذها،

دغدغته نفسه لمتابعة آخر مشهد، ثم ما بعد الآخر إلا آخر الآخر

انهماك وتشتيت للذاكرة وضمور للانتباه حتى يصل للإدمان فلا هو في حياة حقيقية ولا ذاكرة تميز المهم والعاجل، ولا انتباه ينمو ، وإنما ضياع وشتات ينهي ذلك الألم بجرعة من المقاطع السريعة تزيد الجهد جهدا وتجعل الضعف هواناً والإدمان استبداداً.

وهناك من يدمن العشق والهوى فيهيم في خيالات حبه وغرامه ويرتع في مزابل أغنيات تهيج عشقه وتدر دمعته، وتسود حياته، فإن مارس شهواته زادت جوعتها، وإن لم يصل أحرقته نيران الهوى والعشق.

وهناك من يدمن لذة الأكل فمنهم من يأكل ويشرب المحرم فيدمنه، ومنهم من يدمن المباح فيسمنه، حتى تتفجر جوانبه من الانتفاخ ثم يعبث به الإدمان فتزوره الجلطات، والسكر، والهشاشة.

……

التكرار سنة كونية، إما أن تتحكم بها أو ستتحكم بك،

فإما أن تتحكم بنفسك وتصبر عليها وتزكيها فتتمكن من (مهارة الترك ) التي تنقذك بإذن الله فلا تنغمس في الإدمان الهابط القبيح السحيق.

فيارب نسألك تركاً ينقذنا من غرق عيشنا، واقسم لنا من خشيتك ما تهون به علينا مصيبات الدنيا،

مهارة الترك التي تنمي مهارة المسك ، فتمسك وتتشبث بكل ما ينفع

فهناك من أدمن كسب رزقه وهذبه ونماه ليرتقي به إما بالخبرات وإما بالتدريس والشهادات، ثم أنقذته مهارة الترك حتى لا يطغى إدمان الكسب فيكسبه من حرام أو يتضخم على أوقات وأحوال هي أهم كالعبادة المفروضة والبر والرحم والتربية،

وهناك من أدمن التعلق فتعلق بولده أو زوجه أو من حوله فسعد بهم وسعدوا به فكانوا طريقاً يوصله لربه، وإن لم يمارس مهارة الترك زاد ادمانه فلم يعش معهم بل عاش لأجلهم وأجبر نفسه وأنهكها بل وأنهكهم بالتبعية له ليكونوا جميعاً أسرى تصوراته فيصيغهم قوالب ونسخ منه أو مما يطمح له، فلم يعد لهم قرار في حياتهم. ولا تحكم بمصائرهم، فإن بلغوا من المناصب والشرف، فبهم من الهشاشة النفسية والهوان ما يأسرهم لتبعية من يقودهم، فيمسك خطامهم كزوجة، أو صاحب عمل أو صديق وغيرهم فحبل خطامه بيد من يسارع في مسكه.

( الإدمان الراقي)

وهناك من ألزم نفسه بالذكر والصلاة والتسبيح، فأدمنها حتى غدت حاجة ملحة وادمان راقي يستنشقه كل صباح، فإن نقص في يومه أو فاته وانشغل عن فعله أحسن بسوء نفسه وغلطة قلبه.

فهذا الإمام ابن تيمية يجلس بعد الفجر إلى انتصاف النهار في ذكر وتسبيح، يستمد قوته من ذلك. ويقول: “هذه غدوتي، ولو لم أتغد الغداء سقطت قوتي”.    

ومن باب التأمل لا التفسير :

أوقاتنا الآن تطوى سريعاً بسبب تلك الأجهزة وكمية ما يعرض بها وغزارة المعلومات ممن يسهل ويسرع الوصول للمعلومة، فما كان السلف يقطعون به الفيافي حتى يصلوا إليه، نقطعه بضغطة زر.

لكن أنظر لضخامة ما قدموا من المجلدات في تخصصاتهم، وضحالة ما نهرف به، فلا استدال في مكانه، ولا تمحيص لقول، ولا صدق في معلومة، إلا من رحم الله ووفقه.

ساعات تطوى وأيام تتسارع وسنين تجري وفجأة!!!

 نستفيق فإذا نحن غرقى الإدمان إلى أين أوصلنا؟ وأي هاوية أوقعنا بها وأي تخبطات ترنحنا في سكرتها ثم سقطنا

ألا يشابه حالنا قوله صلى الله عليه وسلم: ” لا تقومُ السَّاعةُ حتَّى يتقارَبَ الزَّمانُ، فتَكونُ السَّنةُ كالشَّهرِ، والشَّهرُ كالجُمُعةِ، وتَكونُ الجمعةُ كاليَومِ، ويَكونُ اليومُ كالسَّاعةِ، وتَكونُ السَّاعةُ كالضَّرمةِ بالنَّارِ ” صحيح الترمذي للألباني

ولنعد خطوة لحال ابن تيمية رحمه الله

يصف ابن القيم شيخه ابن تيمية فيقول وقد شاهدت من قوة ابن تيمية أمراً عجيباً، فكان يكتب في اليوم ما يكتبه الناسخ في جمعة”. ومن شواهد ذلك وآثاره: ما ذكره الذهبي: “وما يبعد أن تصانيف ابن تيمية تبلغ ( ٥٠٠) مجلدة “.

حقاً إنها ” بركة الوقت والزمان عندما تخلصوا من قبيح الإدمان”

كتبه عبدالله أحمد أبوبكر باجعمان

صبيحة يوم الثلاثاء الثالث من الشهر الثالث ربيع الأول لسنة 1447هجرية

Total Views: 6918

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *